محمد بن جرير الطبري
67
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
تَعْمَلُونَ ذكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : صدق ربنا ما جعلنا خلفاء إلا لينظر كيف أعمالنا ، فأروا الله من أعمالكم خيرا ، بالليل والنهار والسر والعلانية . حدثني المثني ، قال : ثنا زيد بن عوف أبو ربيعة فهد ، قال : ثنا حماد ، عن ثابت البناني ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، أن عوف بن مالك رضي الله عنه قال لأَبي بكر رضي الله عنه : رأيت فيما يرى النائم كأن سببا دلي من السماء فانتشط رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم دلي فانتشط أبو بكر ، ثم ذرع الناس حول المنبر ، ففضل عمر رضي الله عنه بثلاث أذرع إلى المنبر فقال عمر : دعنا من رؤياك لا أرب لنا فيها فلما استخلف عمر قال : يا عوف رؤياك ؟ قال : وهل لك في رؤياي من حاجة ، أو لم تنتهرني ؟ قال : ويحك إني كرهت أن تنعي لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه فقص عليه الرؤيا ، حتى إذا بلغ ذرع الناس إلى المنبر بهذه الثلاث الأَذرع ، قال : أما إحداهن فإنه كائن خليفة ، وأما الثانية فإنه لا يخاف في الله لومة لائم ، وأما الثالثة فإنه شهيد . قال : فقال يقول الله : ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فقد استخلفت يا ابن أم عمر ، فانظر كيف تعمل ؛ وأما قوله : " فإني لا أخاف في الله لومة لائم " فما شاء الله ، وأما قوله : " فإني شهيد " فأنى لعمر الشهادة والمسلمون مطيفون به ثم قال " إن الله على ما يشاء قدير " . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ يقول تعالى ذكره : وإذا قرئ على هؤلاء المشركين آيات كتاب الله الذي أنزلناه إليك يا محمد بينات واضحات على الحق دالات . قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا يقول : قال الذين لا يخافون عقابنا ولا يوقنون بالمعاد إلينا ولا يصدقون بالبعث لك : ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ بقول : أو غيره . قُلْ لهم يا محمد : ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي أي من عندي . والتبديل الذي سألوه فيما ذكر ، أن يحول آية الوعيد آية وعد وآية الوعد وعيدا والحرام حلالا والحلال حراما ، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخبرهم أن ذلك ليس إليه ، وأن ذلك إلى من لا يرد حكمه ولا يتعقب قضاؤه ، وإنما هو رسول مبلغ ومأمور متبع . وقوله : إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ يقول : قل لهم : ما أتبع في كل ما آمركم به أيها القوم وأنهاكم عنه إلا ما ينزله إلي ربي ويأمرني به . إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ يقول إني أخشى من الله إن خالفت أمره وغيرت أحكام كتابه وبدلت وحيه فعصيته بذلك ، عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ هوله ، وذلك يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً يقول تعالى ذكره لنبيه معرفه الحجة على هؤلاء المشركين الذين قالوا له ائت بقرآن غير هذا أو بدله : قل لهم يا محمد لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ أي ما تلوت هذا القرآن عليكم أيها الناس بأن كان لا ينزل علي فيأمرني بتلاوته عليكم ، وَلا أَدْراكُمْ بِهِ يقول : ولا أعلمكم به . فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ يقول : فقد مكثت فيكم أربعين سنة من قبل أن أتلوه عليكم ومن قبل أن يوحيه إلي ربي ، أَ فَلا تَعْقِلُونَ أني لو كنت منتحلا ما ليس لي من القول كنت قد انتحلته في أيام شبابي وحداثتي وقبل الوقت الذي تلوته عليكم ؟ فقد كان لي اليوم لو لم يوح إلي وأومر بتلاوته عليكم مندوحة عن معاداتكم ومتسع في الحال التي كنت بها منكم قبل أن يوحي إلى